العلماء السلفيين رفضوا خروج عناصر "جند الله"
الانحراف الفكري ..ظاهرة إجرامية لا تمت للشريعة بصلة وأتباعها يفتقرون إلى النضج الشرعي والسياسي
الأهدل: لا يجوز إعلان خلافة أو إمارة في ظل حكومة شرعية ومنتخبة
العلي: من ينتقدون "حماس" لا يقدرون على إنجاز معشار ما أنجزته في ظل ظروفها
غزة – الرأي:
تباينت ردود الأفعال على الأحداث المؤسفة التي وقعت مؤخرا في رفح وراح ضحيتها ما يزيد على خمسة وعشرين مواطنا، إضافة لإصابة أكثر من مائة آخرين، فبينما انبرت ألسنة المتشمتين وأصحاب الفتن في كيل الاتهامات وأفظع العبارات وأقساها إلى الحكومة، مرتدين ثياب الشريعة والدين وهم أبعد ما يكونوا عنه؛ نجد أن كلمات الحق جاءت من العلماء في فلسطين وخارجها لتصف حقيقة ما جرى، وتؤكد التزام الحكومة بشرع الله، "الرأي" في هذا التقرير ترصد الآراء المختلفة لعدد من العلماء والساسة حول الأحداث الأخيرة في رفح:
جهود للحوار
من جهته عبر د. خليل الحية عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" عن أسفه لأحداث رفح الدامية، مؤكدا أن الحكومة الفلسطينية بذلت جهدا كبيرا للحوار مع عناصر "جند الله"، وثنيهم عن أفكارهم.
وقال القيادي في الحركة في تصريحات صحفية: "نحن بدافعنا الوطني والإسلامي علينا الحفاظ على كل قطرة دم فلسطيني لمواجهة الاحتلال (...)، لكنْ للأسف الشديد قام هؤلاء الشباب بأعمال مخلة بالأمن، والتورط في تفجيرات في كل مكان، فضلا عن تكفير مجتمعهم، وخروجهم عن الشرعية".
وشدد الحية على أنه "بالرغم من ذلك فهم إخوةٌ لنا، ولكنهم خرجوا على القانون، وكان هناك ضرورةٌ لمواجهة حالة الفلتان الجديدة".
وقال الحية: "هؤلاء الشباب اندفعوا نحو التطرف، وأصبحوا يميلون إلى العنف والتطرف، وقد سبق أن بذلنا جهدا كبيرا للحوار معهم؛ لثنيهم عن أفعالهم، ولكنهم كفروا الجميع ..وعلى كل حال ندعو بالرحمة للدكتور عبد اللطيف موسى وجميع الشهداء ضحية هذه المواجهات في الجانبيْن".
وأشار القيادي في "حماس" إلى أن د.عبد اللطيف موسى دعا إلى إباحة الدم الفلسطيني، وأن حركة "حماس" أكدت عليه التحاور مع العلماء وكبار رجال الدين الفلسطيني، بدلا من إباحة الدماء، معبرا عن أمله أن ينتهي هذا الحدث، ويعود الشباب إلى رشدهم.
من جهته، أبدى العلامة الدكتور يوسف القرضاوي ، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، تأييده لموقف الحكومة في قطاع غزة من الاشتباكات التي وقعت بينها وبين جماعة "جند أنصار الله" مؤخرًا، وقال:" إنها _أي الحكومة_كانت على حق".
مواجهة اضطرارية
من جهته أبدى العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في تصريحات صحفية ردا على سؤال حول شرعية الاقتتال الذي وقع بين الطرفين مؤخرا، قائلا: "إن حكومة حماس في غزة اضطرت إلى هذه المواجهة اضطرارًا، لافتًا إلى أنه كتب كتابه الأخير "فقه الجهاد" لـ"أمثال هؤلاء" في إشارة لـ"جند أنصار الله".
وقال القرضاوي: "حماس معها الحق لأنها حاولت أن تثني (جند أنصار الله) عن مقاتلة إخوانهم، لكنهم رفضوا فاضطرت حماس لاستخدام القوة"، مضيفا أنه "لمثل هؤلاء كتبت فقه الجهاد".
حكومة شرعية
بينما قال الدكتور حسن الأهدل الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء باليمن أنه "لا يجوز الخروج على سلطة شرعية قائمة، وهذا يعتبر خروج بغي وخروجا عن طاعة الحاكم الذي اختير من قبل المواطنين".
وأضاف الأهدل في تصريح صحفي، أنه "لا يجوز إعلان خلافة أو إمارة في ظل حكومة شرعية ومنتخبة".
وبشأن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الفلسطينية في غزة مع جماعة "أنصار جند الله" قال الدكتور الأهدل أنه "ينبغي على الحكومة الشرعية أن تصد هذه الجماعة التي خرجت بالسلاح، لكن بعد أن تحاورها بالتي هي أحسن، فإذا لم تنصع فإنها تقضي عليها بعد إنذارها".
ظاهرة إجرامية
بدوره قال الدكتور يوسف الشرافي النائب عن "كتلة التغيير والإصلاح" في المجلس التشريعي: "إن ما حصل في مدينة رفح ظاهرة إجرامية لا تمت إلى شريعتنا الغراء ولا ديننا الوسطي بأية صلة، مؤكدا أنها انحراف فكري وخلل عقائدي عند هؤلاء الناس".
وأضاف الشرافي في تصريح مكتوب تلقت "الرأي" نسخة عنه، أن ظهور هذه الفئة في هذا الوقت، يؤكد أنهم مدعومون من أطراف لا تريد الاستقرار في غزة، خاصة بعد فشل كافة الوسائل، وعلى رأسها الحرب على غزة، بتركيع المقاومة والحكومة فيها.
وشدد على أن الدين الإسلامي الذي جاء بالوسطية يحرم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، وقال: "أما هؤلاء الذين اختلت أفكارهم، وتجرؤوا على تكفير الناس، فهم لا يراعون في أبناء شعبهم إلا ولا ذمة؛ فقلد رأينا تجرأهم وإشهار أسلحتهم في وجوه المصلين أثناء خطبة خطيبهم، واستخدامهم بيوت الله".
وعزى النائب ما حدث إلى جهل هذه الجماعة حقيقة الإسلام، وأردف يقول: "إن هؤلاء الناس يزعمون أنهم يريدون تطبيق الشريعة الإسلامية، لكن الحقيقة أنهم يجهلونها ويجهلون هدفها من إقامة الحدود، وأنها وسيلة لإيجاد المجتمع النظيف".
ودعا الشرافي الشباب في قطاع غزة إلى ضرورة الاستقاء من النبع الإسلامي الأصيل، وأضاف مشددا: "إننا في قطاع غزة ندعم مسيرة الآلاف من حفظة القرآن، ونتشرف بالشريعة الإسلامية، لكننا ندرس الواقع جيدا، ونضع الأمور في نصابها".
وواصل: "إن القاعدة الشرعية تقول "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، وأخرى تقول "العمل على أخف الضررين"؛ لذلك نؤكد لشبابنا أن الطريق الصحيح هو العودة إلى المشايخ والعلماء؛ لفهم حقيقة هذا الدين ووسطيته".
الافتقار إلى النضج
وكان خبراء ومختصون بالحركات الإسلامية في لبنان أكدوا أن ما أقدمت عليه مجموعة ما يسمى بـ "أنصار جند الله " في مدينة رفح يدلل على أن هذه المجموعات تفتقر إلى النضج السياسي، وأنها تتعامل مع النصوص الشرعية بانتقائية.
ورأى المختص في الحركات الإسلامية محمد علوش في حديث صحفي له ، أن "القاسم المشترك بين هذه المجموعات هو ضيق الأفق بالرأي الآخر، والإيمان المطلق بامتلاك الحقيقة المطلقة"، رافضا اعتبار هذه المجموعات بأنها حركات أو جماعات، "إنما هي مجموعات متشظية فقط".
ولفت علوش إلى أن هذه المجموعات تتعاطى مع الأحداث من زاويتها الخاصة فحسب، دون الأخذ بآراء الكثير من العلماء الثقات في ما يتعلق بالأمور الخلافية، وبناء على هذه النظرة الخاصة أصبحت لديهم أمور ثابتة يتم على أساسها تطبيق ما يعرف بـ "الولاء والبراء"، فمن يؤيدهم في رؤاهم له الولاء، ومن يختلف معهم هم منه براء.
وأضاف علوش أن خير مثال على ذلك هو محاولة إقامة إمارة إسلامية في غزة دون وجود أي مقومات لذلك، ودون قراءة واضحة للواقع الذي يعيشه قطاع غزة، ما أدى إلى إهدار طاقات الأمة في الاقتتال الداخلي كما حدث.
وتابع علوش حديثه بالإشارة إلى أن إقامة الدولة الإسلامية واجب شرعي لدى كل الحركات الإسلامية وإن اختلفت الوسائل والتوقيت، إلا أن هذه المجموعات غالبا ما تتورط في محاولة إقامة الدولة حارقة كل المراحل المطلوبة للوصول إلى هذه الغاية.
بدوره يرى الكاتب المتخصص في الحركات الإسلامية فادي شامية أن النتيجة الفعلية لهذه الجماعة وأفكارها "صراع مع المقاومين في غزة، وعلى رأسهم المقاومون الإسلاميون، والفشل في قتل ولو صهيوني واحد، والإساءة إلى الشريعة الإسلامية نفسها بدلا من تطبيقها، وإعطاء ذريعة لـ "إسرائيل" لتشويه المقاومة الفلسطينية وتأليب العالم عليها".
وحول الجذور الفكرية لهذه المجموعة يرى شامية، في حديثه أنه من غير المعروف بعد إن كانت هذه الجماعة مخترقة مخابرتيا أم أنها مجرد تجمع لشباب يحملون هذا الفكر المتطرف، منبها إلى أنهم لفكرهم المتطرف "توعدوا بانتقام لن يتورع عن تنفيذه المنتمون لهذا الفكر المجنون".
حقيقة الحكومة
أما الشيخ العلامة حامد بن عبد الله العلي أحد أبرز منظري الجماعة السلفية فانتقد الحملة المسعورة التي يشنها كتاب ومواقع تنتسب إلى الإسلام وحركات الجهاد الإسلامية على حركة "حماس" والحكومة التي تشكلها في غزة، ووصلت إلى حد تكفيرها وتخوينها.
وشدد الشيخ العلي في مقال له نشر على موقعه الإلكتروني ، على أن حكومة غزة لم تحاصر ولم يستهدف قادتها ولمْ يزج بأنصارها في سجون الضفة حتى صاروا بين قتيل وأسير ومن هو تحت التعذيب، ولم تتآمر عليهم الأنظمة العربية الخائنة، إلا لأنها حركة إسلامية؛ تربت في محاضن القرآن، وتعلمت كتب الفكر الإسلامي، ونشأت في بيوت الله، فصامت وزكت وصلت وحجبت نساءها وحفظت أولادها القرآن وجاهدت حتى قدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، ولذلك يقدم قادتها أنفسهم وأبناءهم وإخوانهم وأموالهم رخيصة دفاعا عن الأقصى.
وأضاف: "هذه هي صورتها في أعين الأعداء، وهذه هي حقيقتها، ومنكر هذا كله أعماه التعصب، وأغلق عليه الحسد رؤية الفضل". وتابع: "فلأي شيء لعمري هذا التداعي إلى حربها سوى الدعوة إلى فتنة لن يجني منها إلا الصهاينة وسلطة الخبثاء الجواسيس في رام الله ما لم يجنوه بدباباتهم وجيوشهم وطائراتهم ومكرهم الليل والنهار؟!".
الأولويات في ظل الحصار
وأشار إلى أن الحكومة رأت أن من أهم أولوياتها رفع الحصار عن شعب يعاني أشد المعاناة منه، متسائلا: "فكيف إذا أضيف إلى هذه المهمة الشاقة وفي نفس الوقت سعي حماس إلى صناعة مشروع التغيير الإسلامي الشامل في غزة، بحيث يبقى شعبها الجائع المحاصر محافظا على المقاومة ومتقبلا لمشروع الحكم الإسلامي؟!".
وأوضح أن هؤلاء الذين ينتقدون "حماس" ويرمون سهامهم عليها لا يقدرون على إنجاز عشر معشار ما أنجزته حتى الآن في ظل ظروفها.وتابع: "ما أسهل أن تتكئ على أريكتك منتقدا قوما محاصرين تكالب عليهم الأعداء من كل حدب وصوب؛ فأسراهم بالآلاف، وقتلاهم مثلهم، وكل يوم يزف إليهم نبأ شيخ قتيل تحت تعذيب أزلام دايتون، أو أسير في يد الصهاينة، أو غارة صهيونية عليهم!!..ما أسهل أن تفعل هذا وتنسى ما هم فيه من البلاء العظيم!!".
وشدد على أنه أوغل في الخطأ من لا يريد أن يتعامل مع ما وقع في غزة (أحداث رفح) على أنه فتنة يجب السعي إلى إصلاح ذات البين فيها، والكف عن إراقة الدماء من الطرفين، كما الكف عن نقل الاتهامات المتبادلة وعن التحريش بين المؤمنين.
وقال: "لسنا هنا ننكر على من ينتقد "حماس"، وقد أنكرنا عليها من قبل، وسنبقى، حتى أغلظنا، فوجدناها رحبة الصدر، ملقية السمع، في إطار التناصح بين الحركات الإسلامية التي تبقى دائما بينها رابطة الأخوة الإسلامية إطارا يجمعها ولا يفرقها".
وأضاف: "لكن المستنكر والله كل المنكر هذا التداعي إلى إعلان غزة الجريحة المحاصرة التي يعاني أهلها الجوع والفقر وكل أنواع البلاء، ساحة حرب جديدة؛ يتفرج فيها الصهاينة على الضحايا يسقطون باليد الفلسطينية ليقولوا للناس: انظروا هؤلاء الذين أشفقتم عليهم من صواريخنا..إنهم لا يستحقون غيرها".
دعاة الفتنة
وتابع: "أما سلطة دايتون القابعة في الضفة فسيتخذون ألسنة دعاة هذه الفتنة سيوفا يذبحون بها في غزة من عجزوا عن ذبحه في سجون الضفة، وسيجعلونها جسرا يعبرون عليه إلى حيث كانوا يتآمرون على فلسطين وأهلها".
وأكد أن الصهاينة -بالاتفاق مع سلطة عباس دايتون- يعدون لحرب قادمة لاجتياح غزة بعدما فشلت الحرب الماضية فشلا ذريعا في إعادة دحلان وأزلامه الذين كانوا ينتظرون في رفح المصرية ليتسلموا غزة كلها من "مسجد ابن تيمية" إلى آخر مصلى فيها، بعد قصف صهيوني جحيمي لا يبقي ولا يذر، حتى رماهم الله بالخزي، فارتدوا على أعقابهم خاسئين، وأنزل الله نصره.
وقال: "ما استمرار الحصار إلا لأجل هذه الحرب القادمة، والصهاينة غير خاف عليهم أن "حماس" إنما تريد أن تكسب الوقت بالتهدئة لتعيد تنظيم الصفوف في هدوء، بعيدا عن بهارج الإعلام، استعدادا لتلك الحرب، وأن هدف "حماس" من فك الحصار إثبات قدرة المقاومة على حل القضية الفلسطينية، وإثبات فشل مسارات الوهم التي تسمى (السلام)".
واقترح أن يتم تشكل لجنة من العلماء من داخل فلسطين وخارجها، في مساع حميدة إلى طي صفحة ما جرى من الفتنة، وإخراج كل الشباب من السجون، ومعالجة الجراح، ليفضي الناس بعد نزغ الشيطان إلى رحابة الأخوة، وبعد صورة الدماء إلى سلامة الصدور؛ لتتحد البنادق كلها نحو العدو، وليخسأ دعاة الفتنة، ويرتد كيدهم في نحورهم، ويأوي الناس إلى جماعة ورحمة قبل أن تأخذهم سيوف فتنة لا يفيقون بعدها إلا في أحضان بني صهيون.

