أخبار » مقالات

قراءة في الحالة الفلسطينية نحو رسم ملامح المرحلة

25 أيلول / مارس 2012 11:40

يلاحظ المتتبّع للحالة الفلسطينية في الفترة الأخيرة صورة سريالية سياسية مريبة تكشف عن قدر كبير من التخبط وعدم وضوح الرؤية وجلد الذات. فالشعب الفلسطيني يعيش هذه الأيام مرحلة عصيبة سياسياً ومعيشياً، تتكالب فيها الظروف والمؤامرات لأجل تركيعه وانتزاع مواقف سياسية لطالما بُذل من أجل الحفاظ عليها الغالي والنفيس.

فالمؤامرة واضحة من (إسرائيل) ومن دار في فلكها، بهدف إنهاك الشعب الفلسطيني وإلهائه عن قضاياه المركزية في الدفاع عن القدس والأقصى والتحرير، ولكي تمضي هي في مشروعها في التهويد والاستيطان والتطهير العرقي. فهي تستفرد بالفلسطيني كل على حدا، سواء كان فصيلاً أو حركة أو منطقة جغرافية: فغزة المشغولة منذ أكثر من شهر بأزمة الكهرباء والوقود التي تكاد تتوقف معها الحياة، ولم تكد تفيق من آثار الهجمة الصهيونية الأخيرة لتجد أن أزمة الكهرباء تزداد ضراوة، وكأن قدر هذا الشعب الغزي المرابط أن يعاني من الأزمات على الدوام، تارة تحت نار الترسانة العسكرية الصهيونية الضخمة، وتارات أخرى تحت نير الحصار الظالم الذي يستهدف قوت يومه وأبسط مقومات حياته.

هنا لا بد لنا من أن نستغرب موقف السلطة الفلسطينية في رام الله ومن هرم السلطة بالذات، حيث إنه يبدو أنه لم يحرّك ساكناً طوال فترة هذه الأزمة، وكأنّ غزة هي إحدى جزر المالديف، وما تعانيه من انقطاع كهرباء وماء ووقود لا يخصه ولا يهمه ولسان حاله يقول: "كل واحد يخلّع شوكه بيده".

أما ضفّتنا فهي تئن تحت ضربات قطعان المستوطنين الذين يعيثون في الأرض فساداً ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة، تهدف إلى تهجير الفلسطينيين وحشرهم في "كانتونات" سكانية معزولة تفتقر لأدنى مقومات الحياة والاستقلال، لأجل تمرير سياسة التهجير العرقي.

هذه السياسة تذكرنا بانتهاكات العصابات الصهيونية ضد المواطنين الفلسطينيين في الفترة التي سبقت إقامة دولة الكيان. أما أقصانا وأهلنا في القدس فيتعرضون للاعتداءات الصهيونية المتكررة التي تهدف إلى تهويد القدس والأقصى.

استبشرنا كثيراً بالربيع العربي بقرب التحرير ورفع رايات الانتصار، وبأن الطريق لتحرير فلسطين قد بات ممهّداً. لكننا مدعوون لمراجعة حساباتنا، فتلك الأنظمة الناشئة لا تزال منكفئة على ذاتها، مهمومة بمشاكلها الداخلية ومكبلة بأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية جمّة، ويبدو أنه ليس في جعبتها في المستقبل القريب ما تقدمه للشعب الفلسطيني سوى الشعارات وبعض الإشارات السياسة الداعمة. فكيف لها أن تقدم أكثر من ذلك وهي تنشد ودّ الولايات المتحدة وتتفادى ما يغضبها من قول أو فعل؟!

هذه التغييرات التي تشهدها المنطقة يتقبّلها الاستراتيجي الغربي، ما دامت بوصلتها متجهة غير اتجاه الأقصى وفلسطين وعندما تسقط من حساباتها أيةّ مواجهة مع (إسرائيل).

ستمضي هذه الأزمة مثل غيرها من الأزمات التي مرّ بها الشعب الفلسطيني، ولكنّها قد تحدث تآكلاً في بنيان المشروع الوطني الأهم الذي هو صمّام وجودنا السياسي والثقافي والحضاري وطريقنا نحو التحرير والبناء. وهذا يتطلب من الجميع، بعد التعويل على الله، وقفة جادة مع النفس لأجل توضيح معالم الطريق وتصحيح المسار للمشروع الوطني التحرري الذي يبدو أنه انزوى في خضم الأزمات المتتالية، والخلافات السياسية وتوزيع الأدوار والمحاصصات التنظيمية حول سلطة وهمية لا وجود لها على الأرض.

إن الترجمة الحقيقية للمصالحة الوطنية تأتي فقط عبر التوحد حول مشروع وطني مقاوم يرتكز إلى الثوابت الفلسطينية في القدس والعودة والتحرير الكامل للتراب الفلسطيني، لا عبر المساومات الحزبية وتوزيع الأدوار، فهذه لن تدحر عدواً ولن تجلب وطناً سليباً.

ومن هنا نقول إن رعاية مصالح الناس واحتياجاتهم وتوفير سبل العيش الكريم لهم وصرف الأموال حيث ينفع الناس، وابتداع سبل للتخفيف عن المواطن البسيط، وتوضيح الأمور له حتى لا يقع فريسة الحرب النفسية التي تشن ضده، يجب كلها أن تكون من صلب أولويات ساستنا، فالشعارات السياسية سرعان ما تسقط إذا ما ارتطمت بجدار الواقع الحياتي للمواطن الذي هو الحاضنة الشعبية للمقاومة ورصيدها الاستراتيجي، فالشعوب تلتف حول من يصدقها قولاً وفعلاً!

إن العجز المؤقت عن تحرير أرضنا وتأخر النصر بسبب اختلال موازين القوة وتكالب الأعداء لا يعطي مبرراً للاستسلام، وإنما يفرض علينا الصمود وتمتين جبهتنا الداخلية لحين توافُّر شروط النصر والتمكين ولو بعد حين!.

 

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟