أكبر مشكلة يواجهها الباحث في تاريخنا الفلسطيني هي مشكلة نقص الوثائق، وكثيراً ما يحجم الباحثون عن الكتابة في موضوع مهم بسبب عدم وجود وثائق تتحدث عنه، لأنه لا تاريخ بلا وثائق. وبذلك فإن من لا يحتفظ بوثائقه يكون مضيِّعاً لتاريخه، وينطبق هذا على الأفراد والأمم والدول والجماعات.
ومفهوم الوثائق واسع يندرج تحته المراسلات والبيانات والنشرات ومحاضر الجلسات والقرارات وعقود البيع والشراء والزواج والملكيات والصور والمذكرات الشخصية وغير ذلك.
وقد انتبه القدماء إلى أهمية الوثائق في حفظ التاريخ فكانوا يكتبون قصص انتصاراتهم بالنقش على الأحجار والمسلات والأسوار، ومنهم من كان يدفنها في أساسات الأبنية، حتى لا تتعرض للتزوير والإزالة عند زوال ملكهم على أيدي أعدائهم، وقد فعل ذلك البابليون والآشوريون والفراعنة.
كما انتبه الرومان إلى أهمية الوثائق، وقد لاحظنا كيف احتفظ ملك الروم هرقل برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إليه بالرغم من عدم دخوله في الإسلام، وتروي مصادرنا التاريخية أن ملوك الروم في نهاية عهد المماليك كانوا يحتفظون بهذه الرسالة، وأنهم كانوا يتواصون بحفظها، لاعتقادهم أن حفظهم لها يحفظ ملكهم، بينما لم يفعل ذلك كسرى ملك الفرس، حيث مزق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إليه، فدعا عليه: (اللهم مزق ملكه كل ممزق)، فسلط الله عليه ابنه شيرويه، فقتله، ثم تمزق ملك الفرس على أيدي المسلمين.
ولولا اهتمام أجدادنا الأوائل بحفظ الوثائق لما وصل إلينا القرآن الكريم كاملاً دون أي نقص، ولما وصلت إلينا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم دقيقة كاملة كما قالها، ولما وصلت إلينا سنته وسيرته وسير الصحابة الكرام، بالرغم من مرور أكثر من أربعة عشر قرناً عليها.
وقد انتبه الغرب إلى أهمية الوثائق منذ زمن بعيد فأنشأت دولهم دوراً ضخمة للوثائق تودع فيها وثائق الدولة ومؤسساتها الحكومية والمجتمعية إضافة إلى وثائق الأفراد والشخصيات، ويتم أرشفة تلك الوثائق وتبويبها وترقيمها وحفظها بطرق تمنع تلفها، وتمكن الباحثين من الوصول إليها، ولأن كثيراً من وثائق الدول تحمل أسراراً خطيرة، فإنها تسن قوانين تمنع الباحثين من الاطلاع عليها إلا بعد مرور مدة معينة على صدورها قد تصل إلى خمسين عاماً.
ومحاولة من مركز التأريخ والتوثيق الفلسطيني بغزة الذي أتشرف برئاسته للحفاظ على وثائقنا الفلسطينية من الضياع، وحتى لا يضيع تاريخنا الذي سطره شعبنا بدمائه وعرقه وتضحياته، أطلق المركز مشروع " ذاكرة فلسطين"، وهو يسعى لتحقيق جمله كبيرة من الأهداف أبرزها:
1. المساهمة في حفظ التراث الفلسطيني عبر جمع الوثائق بكافة أشكالها.
2. توسيع قاعدة الوثائق الفلسطينية المنشورة بالتعاون مع دور الوثائق العربية والأجنبية .
3. مساعدة الباحثين والقانونيين بتسهيل الوصول إلى الوثائق عبر آليات الترقيم والتصنيف والرقمنة والنشر الخاصة بالمركز.
4. تعزيز ثقافة المشاركة لدى فئات المجتمع بتشجيع مالكي الوثائق بالتبرع بها أو نشرها عبر المركز.
5. زيادة وعي الجمهور الفلسطيني بأهمية الوثائق ودورها الحضاري.
ويهيب المركز بالمؤسسات الحكومية والأهلية والحقوقية، ومؤسسات التراث والأحزاب والفصائل والباحثين والمهتمين والمثقفين والصحفيين والحقوقيين والقادة والساسة والشخصيات العامة أو ورثتهم وهواة ومحترفي التصوير وغيرهم ممن يملك وثيقة بأي شكل من أشكالها، أن يهتموا بحفظ وثائقهم، وأن يبادروا بالاتصال بالمركز، المستعد للوصول إليهم لاستلام وثائقهم أو أخذ صورة عنها ثم إعادتها إلى أصحابها، وسوف تعطى الوثيقة رقماً خاصاً وتسجل باسم مالكها، الذي يكون بوعيه ومبادرته قد أسهم بحفظ تاريخنا من الضياع.

