غزة – الرأي - بثينة اشتيوي:
جملة من التساؤلات تطرح، بعدما قرر وزير الخارجية الأمريكي جون كيري تأجيل الإفراج عن الدفعة الثالثة من الأسرى الفلسطينيين القدامى المقررة نهاية الشهر الجاري، وسط مبررات للمضي قدما في عملية المفاوضات بين سلطة رام الله وحكومة الاحتلال الصهيوني.
هل تحمل خطوة كيري في طياتها مصيدة أخرى للفلسطينيين؟، أما أنها بيع ما تبقى من الأراضي المحتلة؟، وما الخيارات المتاحة أمام "سلطة رام الله" بعدما رفضت طلب التأجيل؟، وهل سيمضي الطرف الفلسطيني قدما نحو استئناف المفاوضات، رغم تعثرها بين الفينة والأخرى؟.
وتركز الاقتراحات التي ذكرها كيري في جولته الأخيرة للأراضي الفلسطينية المحتلة على الترتيبات الأمنية في غور الأردن، حيث يرغب رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو في حال إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، الحفاظ على انتشار عسكري صهيوني على طول الحدود مع الأردن.
واستبعد نتنياهو ترك مسؤولية الأمن في هذه المنطقة لقوة دولية كما وافق الفلسطينيون، أو لقوة فلسطينية- صهيونية مشتركة، وهو ما رفضه الأول بشكل قاطع، على اعتباره استمرارا للاحتلال وانتقاصا من السيادة.
حالة من اليأس والإحباط انتابت زوجة الأسير "محمود سليمان" بعدما فوجئت بقرار التأجيل، لاسيما وأن" سلطة رام الله" أخبرتها بأن زوجها المقعد والمريض بجلطة القلب سيكون ضمن الصفقة الثالثة!.
وأضافت الزوجة التي تقطن منطقة جباليا شمال قطاع غزة: "لم أزره أنا والأولاد سوى مرة واحدة منذ ثماني سنوات، وحالته الصحية متدهورة جدا، وسط إهمال طبي متعمد من قبل إدارة السجان".
وطالبت الخمسينية فصائل المقاومة الفلسطينية بالمضي قدما نحو تحقيق حلمها وحلم المئات من أهالي الأسرى، عبر أسر شاليط ثان، كما جري في صفقة وفال الأحرار قبل عامين، مردفة: "لا أحد ينكر أن المقاومة هي من تجلب لنا الكرامة والعزة، وأتمنى أن نرى صفقة مشرفة قريبا".
بين نارين!
من جهته قال د. يوسف رزقة المستشار السياسي لرئيس الوزراء إسماعيل هنية: "إن الطرف الفلسطيني بين نارين، نار كيري ونتنياهو وخطته الأمنية، التي تلقى ترحيبا شبه كامل من القيادات الإسرائيلية"، لافتا إلى أن الطرف الفلسطيني ووفقا للمعطيات الجارية على الأرض موافق على الخطة الأمنية،خاصة حينما تبدى أطرافا عربية أخرى موافقتها أيضا.
ومن وجهة نظر د. رزقة فإنه ليس مبررا أن يكون المستوى الأمني العائق في الاتفاق بين الطرفين، أو فشله، مضيفا:" ما بعد الأمن يعني كيري أنه لا اتفاق في قضايا القدس والحدود، واللاجئين، وهذا العرض مرفوض فلسطينيا، ولا يستطيع عباس تمرير حل مؤقت بعد تجربة أوسلوا على مرحلتين".
وأكد على أن كيري لا يمثل الوطنية الفلسطينية، وخطته الأمنية تهدم كل ما هو وطني، لافتا إلى أنها –الخطة- تتناقض مع المشاعر الفلسطينية تماما، وتجعل من الفلسطيني "إسرائيليا" بامتياز، إضافة إلى عدم تطرقها عن مفهوم السيادة الوطنية للأراضي الفلسطينية.
رشوة سياسية
بدوره، اعتبر وزير الأسرى والمحررين د. عطا الله أبو السبح أن خطوة كيري رشوة أخرى كسابقاتها لرئيس "سلطة رام الله" محمود عباس للعودة إلى المفاوضات مع" إسرائيل"، ولتقديم تنازلات جديدة .
وتابع: "جون كيري هو من يضيع القضية الفلسطينية، وكشفت أمريكا أيضا عبر قرار تأجيلها أنها هي من تضغط على إسرائيل للمضي قدما في مسلسل المفاوضات، لذلك هذه القرار مرهون بنجاح المفاوضات من عدمها بين الطرفين".
وبين أن فشل المفاوضات خلال الأعوام السابقة، كانت من المفترض أن تكون درسا لـ "عباس" الذي ورط الشعب الفلسطيني بهذه التنازلات، لافتا إلى أن أمريكا تعمل لمصلحة" إسرائيل" لا الفلسطينيين كما يظن الطرف الثاني.
ودعا وزير الأسرى والمحررين إلى إطلاق يد المقاومة في الضفة المحتلة، للتأكيد على رفضها نهج التفاوض مع المحتل، إلى جانب تكثيف الفعاليات بشأن الأسرى في كافة الأراضي الفلسطينية، مضيفا:" يجب أن يتحرك الفلسطينيون للانتفاض في وجه المشروع الصهيو أمريكي، وإلا ستزداد الاعتقالات التنازلات".
وأوضح أن الحكومة تؤيد خروج الأسرى الفلسطينيين بأي طرقة كانت، لكنها ترفض في الوقت نفسه أن يكون ملف الأسرى سلعة متداولة بين المحتل و" سلطة رام الله".
وطالب الحكومة بضرورة التعامل بجدية مع هذا الملف، وحشد الفعاليات لتوضيح ما بجيري للقضية، لافتا إلى أن وزارة- الأسرى بصدد إجراء جملة من الفعاليات بخصوص ملف الأسرى ومعاناتهم.
مساعدة أطراف
من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر د. ناجي شراب: "إن تصريح كيري ضغطا سياسيا على المفاوض الفلسطيني من أجل استئناف المفاوضات، بل ومزيد من المرونة والتنازلات، و تصريح مستغرب وتدخل واضح في المسألة الفلسطينية".
ولفت د. شراب خلال حديث مع "الرأي" إلى أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى الطرف الفلسطيني على أن يقدم تنازلات، وتقف إلى جنب " إسرائيل" لدعم العملية السياسية ومشروع التسوية مع الفلسطينيين، خاصة وأن الصفقة تمت في إطار استئناف المفاوضات بين الجانبين.
وأكد على أن المفاوضات لن تخرج عن إطار الدولة والحدود، منوها إلى أن تصريحات "كيري" تفسر نتيجة لتراجع في الموقف الفلسطيني ورفضه للخطة الأمريكية بشأن الترتيبات الأمنية في غور الأردن.
وأضاف "إسرائيل تطالب أن يكون تواجدها في ذلك الإطار وهذا ما ينفي صفة الدولة الفلسطينية على الأرض".
وأوضح أن أمريكا تحاول الضغط على الطرف الفلسطيني، للقبول بهذه الخطة، مشددا على أن الأولى لا تقدم أية ضمانات للفلسطينيين إلا إن كانت في صالح الاحتلال وعملية التسوية، ودعم القطاع الاقتصادي في الضفة المحتلة.
وأكمل: "لا أتصور إطلاقا أن يكون هنالك حل مرحلي، ولا يمكن للمفاوضات الفلسطينية أن تقبل بتواجد إسرائيلي فوق الأراضي المحتلة"، منوها إلى أن المفاوض الفلسطيني لا يملك خيارات كثيرة في الوقت الراهن.
ومن وجهة نظره، فإن الطرف الفلسطيني خلال الأربعة شهور المتبقية من عملية المفاوضات بحاجة إلى مساعدة من أطراف دولية، حتى ينجز شيء على الساحة الفلسطينية إن استمرت المفاوضات، وبقي مصرا على موقفه.
وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر: "إن المفاوضات الجارية بين السلطة وإسرائيل على مواضيع الأمن لها أهمية بالغة لارتباطها المباشر لموضوع الدولة"، لافتا إلى أن قضايا الأمن والحدود قد يتوسع التعاطي معها عبر انضمام دول أخرى للتغلب عليها، والسير قدما نحو عملية المفاوضات.
ونقلت صحيفة "معاريف" العبرية الصادرة عن مصادر فلسطينية قولها، "إن مكتب الوزير كيري أبلغ طاقم التفاوض الفلسطيني بهذا القرار بعد أن رفض الرئيس عباس قبول الخطة الأمريكية بشأن الترتيبات الأمنية في غور الأردن، والتي عرضها الوزير كيري على الطرفين خلال جولته الأخيرة في المنطقة الأسبوع الماضي".
وبين أن الوزير كيري مصمم على بلورة بيان صهيوني فلسطيني مشترك ينص على تحقيق تقدم في المفاوضات على أن يصدر خلال الشهر المقبل، لافتة إلى أن المصادر الفلسطينية تتوقع أن يتم دمج الدفعتين الثالثة والرابعة والإفراج عنهما الشهر المقبل، وأن التأجيل لا يعني الإلغاء.
ويذكر أن سلطات الاحتلال وافقت على إطلاق سراح 104 أسيرا من الأسرى القدامى الذين اعتقلوا قبل توقيع اتفاق "أوسلو" على أربع دفعات، بعد استئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، حيث تم الإفراج عن دفعتين حتى الآن.

