أخبار » تقارير

يقبع بالأسر منذ أكثر من 20 عامًا

الحاجة بارود .. تنتظر من يلقي عليها قميص ابنها الأسير

16 آب / أبريل 2015 10:14

الحاجة أم فارس بارود تحمل صورة إبنها الأسير
الحاجة أم فارس بارود تحمل صورة إبنها الأسير

غزة – الرأي - آلاء النمر

تتحسس الأشياء بجانبها قاصدة أوراقاً وضعتها فوق منضدتها الخشبية، أخيراً تمسكُ به بَعد معاناتها البائسة في البحثِ عَن أشياءِها التي تربطها بأغلى مَا تملك في الوجود، ترتجف ورقاتها بَين يَديْها بِعدد رجفات جسدها الهالك إثر أحزانها المتراكمة والتي باتت لا حصر لها، إنّها رسالة فارس الأخيرة التي بعث بها لأمه لطمأنتها على صحته مرفقا إياها بصوره الجديدة.

ولعٌ وشوق

وابيضت عينا أم فارس بارود من الحزن على ولدها وفلذة كبدها المعتقل بين زنازين المحتل في السجون الصهيونية، فمن أين لها بقميص ابنها عله يرد عليها بصرها بعد ما يزيد عن عشرين عاما قضتهن باكية على ابنها الوحيد "فارس" كما ألقى يوسف قميصه على وجه أبيه فارتد بصيراً.

دخلنا باحة بيت أم فارس والتي تقطن بين أزقة مخيم الشاطئ غرب قطاع غزة وهي تغط في غفوة، كانت وقتها تجلس على حصير قشي والمذياع بجانبها يتحدث مع نفسه، همسنا بجانها بحذر لنعلمها أن ضيفا قد حل في باحة بيتها الصغير، فاستيقظت وهي تعتذر بأن النوم قد غلب وحدتها وسكون بيتها الخالي.

لم يحتل فراغ بيتها سوى صورة فارس التي ما زالت تختزلها في عقلها وقلبها، فقد ذرفت تلك العجوز دموعها على مدار عشرين عاما إلى أن فقدت بصرها حزنا على ولدها، غرق قلبها وأصبحت حياتها أكثر بؤساً ، فلم يبقى برفقتها سوى صدى مناجاتها بين جدران بيتها الخالي والذي تعلوه غمامة الحزن الباكية، ليبقى فارس أسير القلب والوجدان بين ضلوع أمه المتعبة.

أمل يترنح

تقول الحاجة بارود وهي تلتقط أنافسها المتهالكة بين الفينة والأخرى بعد أن أثقلها المرض: "صار عمري فوق الثمانين سنة وأنا بنتظر بولدي يتحرر، أمنيتي بس أشوفه وبعدها ربي ياخد أمانته عنده" وبعبارات الأمل الذي ما زال يترنح بين وجنيتها تقول: "بالرغم من مرضي ووحدتي إلا أنني أجتهد في تجهيز شقة فلذة كبدي لحين خروجه من زنازين المحتل، وما زلت أزرع له ورد الفل والياسمين حول غرفتي لأرشه عليه وقتها إن كنت على قيد الحياة".

تجلس أم الأسير بارود في زاوية بيتها وهي تحتضن صورة ابنها، فبرغم فقدانها لبصرها إلا أنها تصف ملامحه بدقة وكأنه جالس أمام عيناها البصيرتان، وتصف جمال وهيبة وقفته الشامخة بين حدود الصورة التي بحجم كف يدها.

وبدمعات جالت على خدها المرسوم بتجاعيد لا حصر لها تقول:"يسمحون لي بالحديث إليه عبر الهاتف كل ست شهور مكالمة واحدة مدتها عشر فقط، فتلك الدقائق لا تكفيني التمعن في صوته ولا تكفيني الاطمئنان على صحته أكثر، لكنها بمثابة شربة ماء بعد عطش مرير".

الهاتف يرافق جلسة الحاجة بارود وحين سألناها عن سبب وجودها بجانبها وهي تتحسسه بين الفينة والأخرى، قالت : "دائما أتصل على الإذاعات وأسمع صوتي لابني بعد أن علمت أن كل الأسرى يسمعون المذياع، فلا أنقطع عن مشاركتي الهاتفية لكل برنامج يخص الأسرى داخل السجون، ولعل اتصال يأتيني من داخل السجون في وقت ما وأنا أنتظر".

على الدوام تستعد بارود للخروج كل يوم اثنين معتصمة أمام الهلال الأحمر المخصص للأسرى دون كلل منها أو ملل، فلا يمنعها المرض ولا العمى من الخروج، فكل ما تسعى إليه أن تشتم رائحة ولدها وهو يطبع قبلة على جبينها، علّ بصرها يعود بعودته لها.

حرمان جائر

طال الفراق على الحاجة بارود، فقد حُرمت من زيارة ولدها منذ ما يزيد عن عشر سنوات والتي على إثرها ابيضت عيناها ولم تعد تبصر ألوان الحياة من جديد، فقالت: "ابني محكوم مدى الحياة، لكن الصهاينة لن يبقوا مدى الحياة على وجه الأرض ، لذالك يقيني بأن الفرج لا بد أن يأتي وإن طال البعد".

أم فارس أبت خلال حديثها معنا إلا أن تندب حظها لتبكي بحرقة قلب مكلوم وهي تقول: "لو خيروني بين عمري وبين فارس لحكيت فارس حياتي كلها، لو بعرف إنه رح يطلع السنة الجاية لأضل أنتظره على الرصيف حتى أكون أول من يسلم عليه ويحضنه"، مرددة بين كل كلمة قالتها "حبيبي يا فارس".

فارس متهم بتنفيذ عملية فدائية داخل الأراضي المحتلة والتي على إثرها قتل عدد من الصهاينة من جنود الاحتلال، ولم يكن فارس ضمن صفقة وفاء الأحرار مما زاد الألم في قلب أمه الموجوعة، بعد أن كانت تعلق آمالها على الجندي الأسير لدى المقاومة في قطاع غزة.

جرح غائر لا زال ينزف دما في قلب أم فارس، تجاري الزمن بمصائبه، تناجي ربها مستغيثة بأن يرجع لها فلذة كبدها، تعلي صوتها في صلاتها وهي تقول لربها "يا رب أمَدَّ في عمري لأحتضن ولدي ثم أموت"، صبرت تلك الحاجة عشرات السنين ولكن الفرج لم يأتِها بعد.

العام الماضي كان الأقسى على الشعب الفلسطيني منذ عدة سنوات خلت، فحمل في طياته أحداثا ساخنة، حيث وصفه مراقبون بأنه عام الأزمات، في حين يرى آخرون أنه كان عاما فيه فاتحة الأمل، وتبقى قضية الأسرى المحرك الأبرز للأحداث في الشأن الفلسطيني.

وذكرت إحصاءات تهتم بشأن الأسرى أن عام 2014 سجل ارتفاعا كبيرا في الانتهاكات التي قامت بها مصلحة السجون الصهيونية بحق الأسرى الفلسطينيين، ومضى هذا العام وما يزال أكثر من خمسة آلاف أسير يحترقون بنار القيد في سجون الاحتلال الصهيوني، وينظرون إلى عام قادم على أن فيه الحرية والأمل.

كما عدت عام 2015 الأسوأ من سابقه إن لم تضع القيادة والفصائل خطة وطنية لمساندة الأسرى والعمل على الإفراج عنهم، رغم التوقعات الإيجابية بحدوث صفقة تبادل يطلق بموجبها سراح الأسرى.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟