المشاهد المتناقضة تماما تتعايش فقط داخل ذات المدينة المحاصرة، فلم تترك الأحداث الأخيرة بيتاً إلا وخلفت بداخله جريحاً أو شهيداً، ما يعكس أجواء من الحزن والفقد في أول عيد يغيب فيه عزيز، ورغم أجواء العيد التي تعلوها غيوم من الأحزان والانفطار تكون تلك البيوت قبلة الزائرين لذوي الشهداء لمصافحة قلوبهم، إلا أن مشاهد الابتهاج والفرح لا تعرف مغادرة عيون الأطفال والأحياء وأزقة المخيمات لأجل ضيفهم الجميل "عيد الفطر السعيد".
في أول أيام عيد الفطر السعيد تصدرت مشاهد خيام العودة وميادين ارتقاء الشهداء صباح غزة وأهلها، فقد سطر المصلين بصفوفهم أراضي مخيمات العودة لأداء صلاة العيد، وودعوها على أنغام "كل عام وانتو بخير يا أهل الضفة الغربية".
فلم تكن أول أيام العيد حصنا منيعاً لوصول مئات المصلين، حفاظاً على حقهم وإصرارهم على العودة إلى أراضيهم المحتلة، وتلبية ووفاء لدماء الشهداء بالحفاظ على دوام المسير نحو انتزاع الأراضي المحتلة من مغتصبيها.
الفرح والبهجة وأكياس الحلوى ودمى كبيرة متحركة ومكبرات الصوت المكبرة تباعاً ابتهاجاً بالعيد، تلك هي الأجواء في مخيمات العودة بين جموع المصلين والمتصافحين فوق الأراضي المتاخمة للحدود التي يفرضها الاحتلال كحد نهائي لخطوط الحركة والتنقل لقطاع غزة.
مباشرة بعد الانتهاء من صلاة العيد، تفتح بيوت ذوي الشهداء أبوابها لاستقبال الضيوف على شرف استشهاد أحد أبنائها في أحداث مسيرات العودة الكبرى، والذين زاد عددهم عن المئة شهيد وعشر آلاف جريح فلسطيني.
فبين لقطات مخيمات العودة وبيوت الشهداء شعرة صمود وتحدي وإيمان يثبتها اليقين بقرب تحرير الأرض من دنس بني يهود، فلم يجزع ولم يهن ذوي الشهداء ولم يتخلوا عن مبادئهم التي فدوها بدماء أبنائهم وأغلى ما يملكون التي تعتمد على التضحية بالغالي والنفيس.
كل هذا لم يمنع دمعات أم الشهيد وزوجته وأبنائه من احتضان صورة أبيهم صبيحة يوم العيد، والذي كان يرقب طلتهم بملابسهم الجديدة ليحتضن جمعهم ويحملهم إلى مدينة الملاهي، حيث يلهو الأطفال مثلهم.
مراسم الفقد يتعالى عليها الكبار ليفرح صغارهم بأجواء اللهو والمرح في أيام العيد، لكنها تخيم قسرا على محياهم وفي قلوبهم من الداخل، ولن يشعر بألمهم إلا من خاض تجربة الفقد على حسب وصفهم.
العيد الأول بعد ارتقاء كل شهيد، كما هو حال شهر رمضان الأول لكل عائلة فقدت حبيبها على موائد الإفطار، فلم تغادر مشاهد المقاعد الفراغة موائد تلك الأسر سواء في شهر رمضان أو على مائدة الإفطار في أول أيام العيد، وكلها تشترك في ذات الدموع المحترقة.
أما عن المخيمات وأزقتها المفعمة بالحركة واللهو واللعب والألوان المبهجة التي تؤكد على مظاهر العيد وأجوائه، إلا أنه في بعض الازقة تكاد ترتسم مراسم الفرح على استحياء شديد، كتلك الأزقة التي عاش بداخلها وأنعشها الشهيد الطفل محمد فضل وسط مخيم البريج.
الأطفال في غزة هم بوصلة الفرح والبهجة في الحارات والمخيمات والشوارع وفي داخل بيوتهم كذلك، فكل ما يكاد لقطاع غزة من مؤامرات ليبقى في قعر الأزمات والانحطاط الاقتصادي والنفسي كذلك، يقضي هباء منثورا بفعل مبادئ الصمود والتحدي والثبات على ذات المبادئ التي لا تتخلى عن حقوقهم بفعل الضغوط.
غزة على موعد مع الفرح والانتصار يوماً وسيكون قريباً، هكذا يؤمن أهلها وذوي الشهداء والجرحى وكل من يستعد للمزيد من التضحيات لأجل الوصول إلى نهاية الطريق، وكل ذلك تثبته مشاهد الابتهاج باستقبال عيد مبارك، وتثبته كذلك روائح الكعك والمعمول اللواتي يصنعنه الأمهات والزوجات لاستقبال الأرحام في أيام العيد.

