أكثر من 20 يوم متواصلين خلت فيها المياه من داخل منزل المواطن حسن أبو عطوة، اضطرته الى جلب المياه من أشقائه وجيرانه في جالونات صغيرة، فحرارة الصيف ألهبت أجساد الصغار، في حين اصطفت أواني الطهي المتسخة بشكل كبير على رفوف المطبخ، وانتظرت الملابس ليال طوال حتى باتت أكواما على أمل تنظيفها.
ساعات طويلة من السهر قد تصل الى موعد صلاة الفجر، يأمل خلالها أبو عطوة في مجيء المياه من أجل تعبئة خزانات المياه الفارغة، إلا أن تعارض وصول المياه الى داخل منزله مع وصول التيار الكهربائي يحول دون ذلك.
وتتجدد أزمة المياه في كل صيف، إلا أن عدم انتظام جدول الكهرباء، ووصول التيار الكهربائي الى منازل المواطنين لساعات قليلة فقط- جراء تشديد الحصار ضاعف من معاناة الأهالي، فيما ازدادت تلك المعاناة مع تفشي فيروس كورونا بغزة، وهو ما بات يشكل حلقة جديدة من حلقات المعاناة اللامتناهية، خاصة مع حاجة المواطنين الى استخدام المياه في التعقيم والتنظيف.
كورونا فاقمت المعاناة
يقول أبو عطوة باستياء في حديث لـ"الرأي":" لا يوجد في منزلي نقطة ماء، لا ماء للوضوء ولا للاستحمام أو الغسيل أو حتى غسل الأواني المتراكمة، وفي أوقات كثيرة يبكي أطفالي بسبب الحر الشديد، فأضطر الى استعارة المياه من أشقائي".
ويتابع قوله:" إلى متى سأظل أحصل على المياه من هذا وذاك، الأمر لا يطاق، في حين جاءت أزمة كورونا وعمقت معاناتنا"، موضحا أنه لا يستطيع شراء المياه الحلوة" المفلترة" لتعبئة الخزانات، كونه أصبح عاطلا عن العمل منذ تفشي الفيروس بغزة والإعلان عن الحجر المنزلي وحظر التجوال.
ويتفق المواطن عبد الله نصر من معسكر الشاطئ الشمالي مع سابقه في أن أزمة المياه باتت ترهق كاهل المواطنين، خاصة مع ارتفاع حرارة الصيف، وحاجة الناس الى غسل الأيدي بشكل متكرر وخاصة للصغار.
ويؤكد نصر في حديث لـ"الرأي"، أن المياه لم تصل الى منزله منذ ثلاثة أيام متواصلة، وهو ما اجبره على تعبئة الخزانات الفارغة على السطح من خلال خط كهرباء ثاني" الماتور"، لافتا الى أنه يدفع ثمن الكهرباء والمياه وأيضا خط الكهرباء الثاني، وهذه مصاريف كثيرة ترهق كاهله.
ويعتبر غسل اليدين المتكرر والشامل من أكثر الإجراءات فعالية في الحد من تفشي فيروس كورونا، وهو ما أوصت به وزارة الصحة بغزة ضمن إجراءات الوقاية منه.
تعارض المياه والكهرباء
وفي فصل الصيف تحديدا، يستهلك المواطنون في قطاع غزة كميات كبيرة من المياه نتيجة ارتفاع درجات الحرارة التي تلهب منازلهم، خاصة أن هناك منازل ما زالت مبنية من الزينكو والاسبست تحديدا داخل مخيمات ومعسكرات اللاجئين الفلسطينيين بغزة.
المواطنة آية كريم هي الأخرى، غابت المياه عن منزلها لمدة أربعة أيام متواصلة، توقفت خلالها كل معالم الحياة والحركة داخله، فلا ماء لغسل الملابس أو للوضوء أو حتى لطهي الطعام، او لتعقيم وتطهير أيادي الصغار.
الغياب المتواصل للمياه عن منزل "كريم" في ظل الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، أجبر زوجها على تعبئة الخزانات العليا على السطح بمياه حلوة مفلترة، رغم ضيق اليد جراء الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها أهالي غزة سواسية.
وتكاد تتساوى مناطق قطاع غزة في انقطاع المياه عنها، وهو ما يجبر المواطنين للسهر ساعات طويلة لمراقبة وصولها، وفي حال وصول التيار الكهربائي تنقطع المياه في الصنابير، وعلى العكس تماما.
ويعتبر الخلل في جدول توزيع الكهرباء سببا رئيسيا في عدم انتظام ووصول المياه إلى منازل المواطنين في قطاع غزة، خاصة في ظل اشتداد أزمة الكهرباء.
جهود حثيثة للبلدية
من جهتها، أكدت بلدية غزة أنها تبذل جهودًا حثيثةً لزيادة ساعات ضخ المياه والتخفيف من أزمة انقطاع المياه، الناجمة عن تفاقم أزمة التيار الكهربائي التي تمتد إلى 16 ساعة يوميًا، في ظل تفشي وباء كورونا المستجد.
وذكر مدير دائرة الصيانة م. جمال عناية في بيان وصل "الرأي" نسخة منه، أن البلدية قامت بتركيب مولدين في بئر الطيبي بحي الصبرة وبئر البطش بمنطقة الشعف في حي الشجاعية، إضافة إلى توصيل خط كهرباء إضافي لبئر مصعب بن عمير شرق المدينة، لزيادة ساعات ضخ المياه وتعويض النقص في ساعات وصل التيار الكهربائي.
ووفق ما ذكره فإن طواقم الصيانة أجرت عمليات صيانة وتشغيل لـ 10 مولدات كهربائية متوقفة في آبار المياه بمناطق مختلفة من مدينة غزة، حتى تتمكن من تشغيل مضخات هذه الآبار في ساعات انقطاع التيار الكهربائي وتزويد المواطنين في المياه.
وتأتي هذه الأعمال في إطار مساعي البلدية الحثيثة للتخفيف من الأزمة المتفاقمة جراء ازدياد ساعات القطع، بالتزامن مع شح الوقود ونقص الإمكانات والموارد في البلدية.
وأضاف عناية:" إن البلدية تجري اتصالات دائمة مع شركة الكهرباء للتنسيق بين جدولي المياه والكهرباء في مختلف المناطق بغزة".
وأشار إلى إجراء أعمال صيانة أيضًا لمضخات الصرف الصحي في محطات B7 في حي الزيتون، ورقم 5 في حي المنارة، والسامر، ورقم 11 الموجودة على شاطئ بحر مدينة غزة، والموجودة جميعها في مناطق مأهولة بالسكان.
وتمتلك بلدية غزة 76 بئرًا للمياه داخل وخارج نفوذ مدينة غزة، تعمل جميعها بالتيار الكهربائي ويتم تعويض النقص في التيار، بتشغيل مولدات الكهرباء الاحتياطية، لإيصال المياه إلى سكان المدينة، حيث أن متوسط استهلاك هذه المولدات 1,000 لتر من السولار لكل ساعة تشغيل، أي ما يعادل 1,500 دولار في الساعة الواحدة.
5000 كوب يوميا
ونشرت البلدية على صفحتها مخطط تفصيلي بينت من خلاله مدى حرصها لإيصال المياه الى المنازل بغزة، حيث يتم ضخ 5000 كوب من المياه باتجاه بيوت المواطنين بشكل يومي، في حين أن 50 محبس يتم غلقها وفتحها يوميا لتحقيق العدالة في التوزيع.
وذكرت البلدية أن 16 بئر شديد الملوحة تم إعادة تشغيلها لسد العجز في كميات المياه الواصلة للمنازل، مؤكدة ان 120 موظفا يبذلون جهودا جبارة وحثيثة لأجل التخفيف عن المواطنين على مدار الساعة.
وكانت البلدية قد دعت المواطنين لضرورة تركيب خزانات مياه أرضية، وترشيد استهلاك المياه لمنع نقص المياه، ولتجاوز مشكلة الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي.
وتعاني بلدية غزة من أزمة مالية خانقة بفعل الظروف الاقتصادية الصعبة، وحالة الحصار المفروض على القطاع منذ ما يزيد عن 14 عام.

